عبد الوهاب الشعراني

19

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

ومن شأنه أن لا يقنع بمجرد اعتقاده في الشيخ ، ويتساهل فيما يأمره فيه أو ينهاه عنه ويقول : نظر سيدي يكفيني ، فإن ذلك جهل بالطريق . وقد قال بعض الصحابة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أسألك مرافقتك في الجنة فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « أعني على نفسك بكثرة السجود » فلم يجبه صلى اللّه عليه وسلم إلى اتكاله عليه دون العمل ، وخرج صلى اللّه عليه وسلم مرة فقال : « يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من اللّه شيئا » . وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : لا تطلب من شيخك أن يمنحك الأسرار وأنت لم تتطهر من أعمال الفجار ، فإن من وضع العسل في قشور الحنظل تمرّر لمرارة وعائه ، والتبس على الجاهل أن العسل مرّ من أصله . وكان يقول : المريد الصادق عرش لاستواء رحمانيّة أستاذه عليه ، وقد كتب اللّه تعالى على نفسه أن لا يدخل قلبا دخله سواه ، ولا يظهر لعين رأت غيره في مرآة ، ومعنى دخول الحق القلب ، دخول رضاه ورحمته ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن يعطي شيخه الأمان من تغيير اعتقاده فيه ، وذلك بأن يكون محبا لشيخه لا معتقدا فيه ، فإن المحب لا يتغير والمعتقد يتغير إذا تغيرت الصفة التي اعتقده لأجلها ، ولذلك كان الشيخ الكامل لا يعبأ باعتقاد المريد فيه ولو بالغ في الاعتقاد ، فإن نفس المعتقد إنما تسكت حيث عقلها عقلها النظري بعقال ظني مسده من لحى أعراض الأحوال والأعمال والأقوال والظنون بالتناسخ ، ومعلوم أن الأعراض لا تبقى وكأنك بالعقال وقد انحل أو تمزق ورجع المعقول إلى توحشه وإفساده ، بخلاف المحبّ فإن الشيخ منه في قرار البحار ، لا يريد إلا ما يريد ، فالمحب قليل ، والمعتقد كثير ، وما قلّ ونفع خير مما كثر وألهى ، وكفى باللهو ضررا . وكان سيدي علي بن وفا يقول : لا يخلو مريد من محبة شيخه ، ولكن غالب تلك المحبة لعلة ، والمحبة الصادقة فوق العلل كلها كمحبة الوالدة لولدها . وكان يقول : احذر أيها المريد الصادق إذا بعت نفسك لشيخك أن تخفي عنه شيئا من عيوبك ، فإن البائع إذا بين وصدق بورك له في بيعه ، وإذا كذب وكتم محقت بركة بيعه ، والمشتري إذا اشترى بعد بيان العيب لم يبق له أن يرد السلعة ، وإن اشترى من غير بيان كان له الرد ، ومن ثم جاء في الحديث ( من اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللّه عليه ) . وكان يقول : اجعل نفسك عبدا للّه تعالى وكالعبد لشيخك بحكم الواسطة كما جعلت سيدك ونبيك صلى اللّه عليه وسلم واسطة بينك وبين اللّه تعالى فإن لسان حال الأستاذ في كل زمان ينادي على